محمد هادي معرفة

345

التمهيد في علوم القرآن

الحسّية يدوران حول الأرض عند رؤية العين المجرّدة ، كأنهما يتلاحقان . كما أنّ الليل والنهار يتسابقان على سطح الأرض ، هذا من طرف وهذا من جانب ، لكن لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 1 » كأنّ عرصة الفضاء ساحة المسابقة ، والسبّاق هم : الشمس والقمر والليل والنهار . فساحة الكون كلّه عرصة السباق ، والفضاء جميعه تسابق وتنافس وحركة وحياة . . . صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ « 2 » . وأعجب من ذلك أنّه يصوّر من حالة الغضب - وهي صفة نفسانية - إنسانا صاحب شعور وإدراك رقيق ، قد يثور ويفور غيظه ثمّ يهدأ ويسكن غضبه . وقد جاء في التعبير القرآني عن هذا الثوران بإلقاء الوساوس والإغراء بالأخطار ، وعن ذاك الهدوء بالسكوت والإمساك عن الكلام قال الزمخشري - عند تفسير قوله تعالى : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ « 3 » - : كأنّ الغضب كان يغريه على فعل ما فعل ، ويقول له : قل لقومك كذا ، وألق بالألواح ، وجرّ برأس أخيك إليك . هكذا كان يهمس في اذنه ويلقي في روعه ، فكأنّ موسى يفعل ما يفعل بإغرائه وتحريضه . حتّى إذا ما سكت الغضب عن الكلام وأمسك بلسانه ترك موسى وشأنه وقطع الإغراء . قال : ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلّا لذلك ، ولأنه من قبيل شعب البلاغة . وإلّا فما لقراءة معاوية بن قرة : ولما سكن عن موسى الغضب لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزّة وطرفا من تلك الروعة « 4 » .

--> ( 1 ) يس : 40 . ( 2 ) النمل : 88 . ( 3 ) الأعراف : 154 . ( 4 ) الكشاف : ج 2 ص 163 .